السبت 27 شباط/فبراير 2021
  • مكتب توثيق الشهداء في درعا
  • Mail
  • Facebook
  • Twitter
  • Whatsapp
  • Youtube
  • Telegram
  • Skype
  • RSS

المثنى .. الشهيد عامر المسالمة

الشهيد البطل عامر أيوب مسالمة (أبو أيوب) قائد كتيبة المثنى  بن حارثة قاهر الفرس ، ارتقى البطل متأثراً بإصابته صباح 3.3.2013 بمعارك اقتحام سرية الهاون بمنطقة جملة غربي درعا .

يقول الشيخ المجاهد عبد الله عزام رحمه الله: إنَّ الشهادة درجة عالية، لا يهبها الله الا لمن يستحقها, إنها اختيار من العليِّ الأعلى للصفوة من البشر ليعيشوا مع الملأ الأعلى (ويتخذ منكم شهداء) إنها اختيار واتخاذ واصطفاء للأفذاذ من البشر ليكونوا في صحبة الأنبياء (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا).

حقاً إنَّ الإنسان ليجد نفسه صغيراً وهو يتحدث عن العظام أمثال عامر مسالمة فخر حوران وزينة شباب درعا ذلك الرجل الذي إن نشدته بين العبّاد وجدنه التقيَّ النقيَّ قوّام الليل بأجزاء القرآن، وإن طلبته بين الأبطال ألفيته الكميَّ الحميَّ خوّاض المعارك إعلاءً لكلمة الله، وإن طلبته في ميادين العلم وجدته الجاثي على ركبتيه معلماً ومتعلماً.
ولولا أن الحديث عن بطولة وتضحيات هؤلاء الأبطال وصبرهم وثباتهم يبعث في نفوسنا الأمل ويحرك في ضمائرنا الإحساس بالواجب لما تكلمت عنهم، وإن كنت موقناً أنني لن أكتب عنهم إلا النزر القليل الذي أعرف ويبقى الكثير الذي لا يعلمه إلا الله, أسأل الله أن يجزيهم عنا خير الجزاء ويرزقنا شفاعتهم يوم يقوم الأشهاد.

الولادة و النشأة

التربية الإيمانية : في أسرة إسلامية وفي عائلة مرموقة في درعا وفي عام 1400 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بزغ فجر الشهيد عامر المسالمة تقبَّله الله عزَّ وجل، وعاش في كنف والدين أحبُّوه وأحبَّهم الحب الشديد، وارتبط بهم الارتباط الوثيق، وحرص على برهما، وكان والده يحظى بمكانة اجتماعية في درعا، وكان يعمل في مجال التعليم، وقد حرص على تعليم أبنائه ومنهم عامر الذي أثمرت جهود والده فيه وتميّز بدراسته وتحصيله .
تعلّق قلب عامر بالمساجد، وترعرع بين جدران المسجد العمري في درعا، والتزم فيه بصلاة الجماعة وبالحلقات القرآنية في معهد تحفيظ القرآن الكريم الذي خرّج عدداً كبيراً من الحفاظ وهو في سنِّ الثالثة عشر من عمره، وتتلمذ على الشيخ محمد صبري، والشيخ المجاهد تميم الخليلي فكان يصلي الفجر ويحضر حلقات القرآن والعلم، وكان على صلة بالشيخ أحمد الصياصنة خطيب الجامع العمري في درعا، وافتتح درساً للشيخ في السيرة النبوية في أحد المساجد، وكان يرسل للشيخ عن طريق ابنه عمار أن يرفع وتيرة حطبه لأن الأسلوب العاطفي كان يغلب على خطب الشيخ آنذاك، ولم يمنعه نشاطه الدعوي من متابعة دراسته، بل كان هو الأول على زملائه في المدرسة، ونال الدرجة الأولى على محافظة درعا في الصف التاسع فكان مجموعه آنذاك 286 من أصل 290 درجة، وضاعت أربع علامات في الموضوع الإنشائي في مادة اللغة العربية، فقد طلب منه أن يكتب موضوعاً إنشائياً عن التلفاز فكتب هو عن أضرار التلفاز ولم يطلب منه ذلك فحذفوا له أربع درجات وبسبب ذلك نال عتاب والده.
حفظ كتاب الله عز وجل في معهد تحفيظ القرآن الكريم في المسجد العمري الذي خرّج عدداً كبيراً من الحفَّاظ وهو في الصف الحادي عشر ولم يكن سنه يجاوز السابعة عشر من عمره ،وكانت له حلقة في المسجد العمري يشرف فيها على الطلاب يومياً من بعد الفجر، وكانت حلقته مميزة، وكانت له كل يوم كلمة توجيهية للطلاب يحضهم فيها على مواصلة حفظ القرآن الكريم في كل الأيام حيث أنّ من نظام معاهد تحفيظ القرآن: أن يكون التدريس فقط في العطلة الصيفية ، ويمنع التدريس في غير العطلة الصيفية، فكان ذلك يسبِّب له مساءلةً أمنيةً، وكان أهالي درعا يستنصحونه لأولادهم ليختار لهم الفرع المناسب لاستكمال دراستهم فكان يحض الملتزمين والمتفوقين على الانتساب لكلية الشريعة ويقول :إن هذا هو أشرف العلوم، وينبغي على خيرة الناس وأهل التفوق أن يدخلوا كلية الشريعة ويدخلوا في المجال الشرعيِّ، وكان يفكر بترك الهندسة والتحويل للشريعة لطلب العلم، واهتمَّ بطلاب العلم في درعا، وكان ينفق عليهم من ماله ولا سيما الطلاب الأجانب من أجل أن يسير موكب الدعوة مع الحذر طبعاً، وقد كان لديه مشروع إرسال مجموعة من طلاب العلم لحضور دورات مكثّفة في السعودية في غضون في ثلاثة أشهر ، لكنه لم يوفق لذلك، وحال اعتقاله دون مشروعه، وكانت له صلة بالشيخ أبي الفضل اليمني ويقول عنه : ما مرَّ عليَّ مثله .

عامر المسالمة 1

دراسته الجامعية و مواصلة العلوم الشرعية في دمشق : كان رحمه الله في صغر سنِّه يرتِّب دروساً للمشايخ بشكل سريٍّ في البيوت، وكان مميّزاً عند مشايخ درعا، وكان والده يزجره ويؤنِّبه على لبس الثوب القصير وإطالة اللحية مع شدَّة حبه واحترامه له ويفضله على إخوانه الحمسة . بعد أن أنهى المرحلة الثانوية بدرعا، انتسب لكلية الهندسة المعلوماتية بدمشق وتخرج فيها وتابع دراسة الماجستير فيها أيضاّ.

نشاطه الدعوي و الجهادي : و كانت إقامته في دمشق قد أتاحت له الفرصة ليواصل علومه الشرعية في دمشق والتفقه في دينه واللقاء بالمشايخ والعلماء وحضور دروسهم، فكان يحضر درس الشيخ أسامة الرفاعي ويثني عليه الثناءَ الحسن، ويحضر خطب الشيخ نعيم الحريري في جامع الزيتونة في معضمية الشام، وأخذ الفقه الشافعي عن الشيخ صادق حبنكة الميداني رحمه الله، وقرأ عليه كتاب “الإقناع”، وأخذ الحديث عن الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رحمه الله، ، وتوثقت صلته بالشيخ مأمون حموش، وكان من المقربين من الشيخ مأمون ويهديه أعماله العلمية، وقرأ على الشيخ شقير ،وكان الشيخ شقير يحبه كثيراً، وأوصى ولده أن يلزمه، وأخذ القرآن الكريم عن الشيخ سعيد الحريري تلميذ الشيخ أبي الحسن الكردي رحمه الله، وكان على صلة بالشيخ عبد الله علوش الدومي حفظه الله.

عامر المسالمة 2

شخصه و خلقه

مشروع أبي أيوب مشروع أمة ولم يكن يعمل لصالح تنظيم معيّن أو أفراد معيَّنين وإن كانت له صلة بالتنظيمات الجهادية وقياديها. ومن أبرز صفاته: كان نصوحاً لا يحب التعصب، ويسدي النصح لغيره حتى لمن يخالفه الرأي، يتجنَّب الخوض في المسائل الخلافية حتى لا يؤدي ذلك للفرقة والشقاق في الوقت الذي تكون فيه الأمة محتاجة إلى الألفة والتقارب، فكان رحمه الله من أبرِّ الناس صدراً وأبعدهم غائلة، وكان من أشدِّ الناس حباً للعاقبة ،وأنصحهم للعامة. يجد في نفسه الحرقة على المسلمين، ويتابع أخبارهم، واعتنى كثيراً بالشباب ولا سيما المراهقين وطلاب الجامعة، وقد التزم على يديه الكثير منهم، فقد أدرك أن الشباب هم عماد نهضة هذه الأمة وسرُّ قوتها ومبعث عزيمتها وكرامتها فأولاهم اهتمامه البالغ فغرس فيهم روح الجهاد وحبه وجنَّد منهم فتية ليجاهدوا المحتل والغاصب في أرض العراق، وقد تدرب في تلك الفترة على صنع المتفجرات.
كان – رخمه الله تعالى – صاحب شخصية متكاملة، وعقيدة راسخة تستهين بالأخطار ،شجاع كريم ، يملك عقلية راجحة تتبصر بالعواقب، وعرف بقمة الأدب والأخلاق، يؤلف بين قلوب المتشاحنين، وهو محبوب من كل الأطياف، خفيف الظل، يتمتع بأخلاق عالية، يتقبل الحوار، ويكره المراء، ولا يعادي الناس، ماجد بر وصول، أنيق في لباسه ، ويحب النظام ويهتم بالمصلحة العامة، يعمل بصمت، وله قَبول عند الآخرين، بشوش كثير الابتسام، تمتَّع بأخلاق جهاديَّة عالية ندر وجودها في هذا الزمان، مجاهد كتوم مخلص لا يعرف الرياء إليه طريقاً ، استقى مفهوم الجهاد من “الأنفال والتوبة و محمد”.

اعتقاله

لم يعرف عامر طريقاً للراحة والدَّعة فكان كل وقته في الدعوة والعمل لدينه، وكان ذلك همّه الشاغل، وكان يجمع طلاب العلم في درعا ويرتِّب لهم الدروس ،ويرسل المجاهدين إلى العراق وينفق عليهم، ولم يمنعه نشاطه الدؤوب من مواصلة تعليمه في الجامعة، فتابع الدراسات العليا في جامعته، وكان من الأوائل على الجامعة، وقد أُشرب حب الجهاد والاستشهاد حتى صار جزءاً من كيانه, فأغاظ نشاطه الدعوي وجهاده أجهزة الاستخبارات الأسدية، فكمنت له وهو ذاهب إلى صلاة الظهر في يوم رمضاني في أحد مساجد درعا في 20/6/2006م فغيَّبته في أقبيتها، وقد ثبّته الله عز وجل في التحقيق، ولم يسبِّب إيذاءاً لأحد من إخوانه، والتقى في فرع فلسطين بالشيخ الشافعي أسعد، وقرأ عليه القرآن الكريم كاملاً، وتلقّى منه الإجازة في الفرع وهو أول مجاز من الشيخ في فرع فلسطين، وبعد انتهاء التحقيق رُحّل إلى سجن صيدنايا، وكما ورد في أحد الآثار: “المؤمن كالغيث أينما وقع نفع” فقد استفاد منه إخوانه في سجن صيدنايا، فأقرأهم القرآن وعلّمهم أحكام التجويد، وكان متشدِّداً في الإجازة فلم يجز أحداً منهم، وكان نِعْم الأخ لهم ، ويقوم على خدمتهم، وكوّن رفقة صالحة من طلاب العلم في سجن صيدنايا أمثال الشيخ أبي العباس أيمن أبو التوت، والشيخ ماهر علوش الحمصي، والشيخ أبي الصادق نضال الحسن الكردي، والشيخ أبي الحارث الحمصي، وكانت بينهم المدارسات والمذاكرات العلمية، وفي حدث الاستعصاء كان هو في مقدِّمة المواجهة مع الشرطة العسكرية، وكان حريصاً على الشباب في صيدنايا، ويسعى للمحافظة عليهم من القنص.

العمل الثوري و الجهادي

نقل من سجن صيدنايا إلى فرع المخابرات الجويَّة ، وبقي فيه قرابة عام ذاق فيها ألوان العذاب والنكال مما سبَّب له تسرب بروتين عبر الكلية، وأعيد مرة أخرى إلى سجن صيدنايا، وقضى عامر بقية سجنه يعالج المرض إلى أن منّ الله عز وجل عليه بالفرج والحرية في 5/7/2011م فخرج من سجنه وواصل نشاطه فور خروجه من سجون الظالمين ،يحدوه الأمل ويقوده العزم على مواصلة المشوار، وقد بذل الغالي والنفيس من أجل الدعوة الإسلامية ، فإنه قد عرف شرف ما يطلب فهان عليه ما يبذل . من أجل هذا استدعته أجهزة المخابرات مرة ثانية لفرع الأمن العسكري بتهمة التحريض على التظاهر في درعا، وقيَّدوه إلى فرع فلسطين من جديد، وبقي فيه يومان، ثم أفرج عنه بعد أن ظنّ الجبناء أنهم أحبطوا من إرادة هذا المجاهد الحرّ الأبي، لكن بحمد الله لم يتم لهم ذلك، ولم يحقِّقوا مرادهم ، بل خرج من معتقله كالأسد الكاسر يزمجر حقداً وغضباً على قتلة الأبرياء والأطفال وحمزة وثامر ومجزرة الجامع العمري ،وهو ابن ذلك المسجد العمري الذي لم تجف فيه دماء الأبرياء بعد.

كتيبة المثنى بن حارثة قاهر الفرس

قبل أن يخوض عامر غمار المعارك والجهاد كان لا بد له أن يخضع للعلاج بسبب معاناته من مرضه الذي أصيب به نتيجة التعذيب في فرع المخابرات الجوية، فاضطر للسفر للأردن لاستكمال العلاج هناك في 5/12/2011م وبقي فيها قرابة الشهر إلى أن منّ الله عز وجل عليه بالشفاء، وغادر الأردن إلى تركيا في 4/1/2012م ليتمكَّن من التواصل مع المجاهدين في ريف إدلب، والتقى بالقادة الميدانيين والمجاهدين، وعلى رأسهم المجاهد الكبير ومرشد المجاهدين أبي بصير الطرطوسي عبد المنعم حليمة حفظه الله، وخضع لدورة تدريبيَّة في المعسكرات الجهاديَّة في ريف إدلب، ثم قام بعدها برحلة اطلاعية على المعسكرات والكتائب العسكرية في ريف إدلب وحلب وحماة وحمص ودمشق إلى أن وصل إلى درعا بعد رحلة استمرت شهرين.
شكّل عامر – رحمه الله تعالى – كتيبة المثنى بن حارثة وهو في الخارج، وكان يدير أمورها من هناك، ولما وصل إلى درعا تسلَّم قيادتها ميدانياً، وطوّر فيها بعض الأعمال والتقنيات والاستراتيجيات والخطط العسكرية، واخترع لهم سيارة تسير بجهاز تحكُّم عن بعد.

عامر المسالمة 4

افتتاح الجبهة الغربية في درعا

لعامر يعود الفضل في افتتاح الجبهة الغربية من درعا، فقد كان الثوار يتحاشون العمل فيها لحساسية الموقف لقربها من الحدود الأردنية والإسرائيلية، فضرب عامر عدَّة حواجز واستسلمت عدَّة حواجز، واقتحم سرية “جَملة” في يوم الأحد 3/3/2013م وكان هو في مقدمة الصفوف فأصيب بطلقة bkc بكتفه الأيسر ليترجَّل هذا الفارس ويمضي متطهراً بدمه ليثري الجنان بطهره ، ويزفّ إلى الحور العين ويتنعَّم بوعد الرحمن.
ولقد بكته درعا بطلاً عظيماً ضحَّى بنفسه ليعيش الناس بكرامة، وروّى شجرة الإسلام بدمه لتبقى شامخةً وتُؤْتي أكلها بإذن ربِّها.

بكت درعا بطلاً هماماً، قائداً مغواراً، ليثاً في المعارك، رجلاً في المواقف ترمقه العيون في الشدائد، وتستتر به الأبطال في المصائب. رحل عامر بعد أن خلّد الذكريات الجميلة في وجدان محبيه. فاحفظ لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمرٌ ثاني ، فعليك يا أبا أيوب رحمات الله ورضوانه، يا من طلبتك شهوات الدنيا ففررت إلى ربك بأقصى ما تملك، وقدَّمت شبابك للإسلام والمسلمين فكنت طرازاً فريداً من الإنسان صاحب عقيدة راسخة عشت لها ومتّ من أجلها.

 

بقلم أحبة الشهيد في تنسيقية درعا

التصنيفات: قصص الشهداء | الوسوم : درعا_البلد